قد ارسل الله تعالی فی كل العصور وفی كافة انحاء الدنیا انبیاء
فی الدِّینِ الاسلامیِّ أمورٌ كثیرةٌ لا یُدرِكها العقلُ، ولكن لیس فیه شیءٌ یُناقِضُ العقلَ.
فلو كانت معارفُ الآخرة، وما یُحِبُّه اللهُ تعالی وما یكرهه، وطرائقُ عبادتِه، كلُّها فی نطاق إدراكِ العقل، وكان یمكنُ للعقلِ أن یعرفَها علی وجهِ الصواب، لما كان هناك حاجةٌ إلی إرسالِ آلافِ الأنبیاء. إذ كان الناسُ یستطیعون أن یدركوا بأنفسِهم سعادةَ الدنیا والآخرة، وحاشا للهِ تعالی أن یبعثَ أنبیاءَه عبثاً أو بلا فائدة. ولأنّ العقولَ لا تستطیعُ أن تصلَ إلی علومِ الآخرة ولا أن تكتشفَها أو تحیطَ بها، أرسلَ اللهُ تعالی فی كلِّ عصرٍ نبیّاً إلی أنحاءِ الارض، ثم ختمهم جمیعاً بمحمّدٍ ﷺ نبیّاً للعالمین، إلی یومِ القیامة، دون أن یُبدَّلَ أو یُغیَّرَ دینُه. وقد كان جمیعُ الأنبیاءِ علیهم السلام لا یتعرّضون لشؤونِ الدنیا التی یمكنُ إدراكُها بالعقل، بل كانوا یأمرونَ ویُشجّعون علی البحثِ فیها والاستفادةِ منها. غیر أنهم بیّنوا كیف یمكنُ لتلك الأمورِ الدنیویّة أن تجرَّ الانسانَ إلی السعادةِ الأبدیّة أو إلی الهلاك، وصرّحوا بما یُرضی اللهَ تعالی وما یُسخِطُه بیاناً واضحاً جلیّاً.